أبي حيان التوحيدي
226
المقابسات
إلى اللّه نلتجئ فيما دهمنا وفيما نزل بنا من غيرنا ، فما خسر من لاذ به في السراء ، ولا خاب من عاذبه في الضراء ، إنه نعم الرب والكافي ، والمعين والكالئ ، والمرشد والناصر ، به يوجد كل مطلوب ، ويملك كل محبوب ، وينجى من كل أذية ، ويتعرى عن كل رزية ، لطيف التدبير ، عجيب التقدير ، خبير بجميع الأمور ، لا تنكر ذاته ، ولا يدرك كنهه ، جل معبودا وعز موجودا مشهودا 50 مقابسة [ في الكهانة وما يلحق بها من أمور الغيب ] سئل أبو سليمان عن الكهانة وما يلحق بها من أمور الغيب ، وعن التنجيم وما يقدر به على أحكام المستقبل ، وعن النبوة التي هي في محلها الأعلى ومكانها الاشراف ؟ فتصرف في الجواب أحسن تصرف ، على سعة من اللفظ والمعنى . ولكن لو نقلت كثيرا منه لنسبوه للكفر وقلة العناية . ومقدار الحاصل منه قد أثبته في هذا الموضع خوفا من أن يذهب نسيّا . فإن وافتنى فيه معاندة حاصلة ، أو حصلت لي محالة محتملة ، فما على الا الجهد وبذل المطاق ، وإذا عذرنى المتكلم المنصف ، لم أحفل بالمتعنت المسرف ، واللّه يعين أهل الحق بلطفه قال : الكهانة قوة إلهية توجد في شخص بعد شخص بسهام سماوية ، وأسباب فلكية ، وأقسام علوية ، فإذا توسطت صارت في منصف البشرية والربوبية ، فحينئذ يكون ما يبدو بها مشيرا إلى غيب أمور الدنيا وإلى غيب أمور الآخرة على حد يكون على سواء . والغلب مع ذلك لأمور الدنيا ، لأن الانسان بالطبيعة أكثر منه بغيرها ، في الأعم الأغلب والشائع الأشمل ، فان تحدرت هذه القوة قليلا كانت الإشارة إلى أمور عالية شريفة . ومحل النبوة بين أبناء هذه القوة بالترقى والتحدر ، وكلما كان